السبت، 14 يوليو، 2012

حيث الأضواء

ما من كل " الحُسن" يتولد العشق !




  •        "استيقظت ...قد انطفأت الأضواء "
  •       الأضواء لم تنطفئ ،بل أنت من أطفأها
  •      نعم أنا أطفأتها
  •       لماذا أطفأتها ؟
  •       لأني أردت أن أنسى تشكيلات وجهه
  •        لماذا ؟
  •        لأن العتمة لا تبيح له ملاذا  في ذاكرتي
  •       لماذا ؟
  •         لأنه ما يزال  في داخلي
  •        لماذا ؟
  •        لأن المدد قد انقطع ، والأنوار قد تلاشت
  •       أي مدد الذي انقطع ؟ وأي أنوار تلك التي تلاشت
  •         ........
ما من بداية خارج الأوان ، ولكنها لحظة ينقبض فيها كل شيء حتى الفلك يلملم شموسه وأقماره فرارا من حساب زمن يرفضه 

"يحكى أن ملكا فيما مضى من الزمان ، كان قد جمع ملك الدنيا وملك الدين .اتفق أن ركب ذات يوم مع خواصه من أجل الصيد ،فرأى جارية في طريقه فأخذ طائر روحه يتخبط في قفص جسده ، فدفع المال واشترى تلك الجارية .ولكن ما إن اشتراها حتى سقطت الجارية مريضة .فجمع لها الأطباء عن يمين ويسار ،وقال لهم : كل من يكتشف العلاج الناجع لروح روحي فله مني الكنوز والدرّ والمرجان .ثم توالت الأيام ومهما بذلوا من علاج ومن دواء ،زاد المرض في الجارية حتى صارت في نحول الشعرة ،وجرت عين الملك بالدموع الدامية .فلما أسقط في يد الملك هرع إلى المسجد وصرخ من أعماق روحه مناجيا ربه نداء خفيا وعلنيا ،فرأى في منامه أن حكيما حاذقا يصله مرسل من عند الغيب يبرئ بإذن الله كل علة ويزيح بحمد الله ما أعتم من الغمة . قصّ الملك على الحكيم  ما جرى للمريضة ثم أجلسه بعد ذلك إليها ، فرأى الحكيم من العلامات ما أنبأ عن الحال الباطنة وشفى الصدور الطامحة .فلم يكن تعبها من مرض الصفراء أو السوداء ، فالبدن معافى ولكنها عليلة القلب ، والعشق مرض القلب ولا مرض هناك مثل مرض القلب .فجعل الحكيم يسأل الجارية عن موطنها وسر ماضيها ، واضعا يده على نبضها ،وهي تقضي له بما لديها من أنباء عن موطنها وسادتها ومدينتها ومسكنها ،وهو منصب الذهن على نبضها ليدرك عند أي اسم ستسرع نبضاته ،فانطلقت في الحديث حتى أتت على ذكر "سمرقند" فأسرع نبضها ، واحمر لونها ثم شحب ،وذلك لأنها فارقت الصائغ السمرقندي، عندها أدرك الحكيم سر دائها وحكاية بلائها .فلما أطلع الملك على الخبر ، أقنعه بأن يحضر الصائغ ليكون قريبا من الجارية كي تستجمع روحها وريحانها ،فإذا سعدت نفسا وطابت خاطرا أدرك حينها حاجته .فاستدعى الملك الصائغ من المدينة البعيدة واستدرجه بالخلعة والذهب ،فلما استقر بين يدي الملك ورأته الجارية ودارت بينهم الأيام شهورا ، شفيت تلك الفتاة تماما ،ولكن الانتقام كان أشفى حينها للملك ! فأعد من كيمياء الأسرار شرابا جعل يديره على الصائغ يوما وراء آخر ،فأخذ حسن الصائغ يذوب أمام الفتاة ، وعندما لم يبق له  المرض جمالا ، لم تبق روح الفتاة بين حبائله ،وعندما صار مريضا شاحب الوجه ، أخذ حبه يبرد قليلا قليلا في قلبها ! إن أنواع العشق التي تكون من أجل اللون ، لا تكون عشقا ، بل عاقبتها العار ! واستمر الصائغ يذوى حتى صار وجهه عدوا لروحه وانقضى فيه سر الأجل فمات وما شعرت الفتاة بحزن لفقده !فلقد تلهّت بسلطان الملك وأفاقت على حبه لها"*

صدقت أيها العارف : إن عشق الصور لايخلّف  سوى العار !! وأظن زليخا كانت أصدق في حبها ليوسف منها في خيانتها لسيدها !..
ولكن الجارية وزليخا استبد بهما الحب بصور حية ،وأجساد ماثلة ،وأرواح تنفست معهم الحياة ، ورجال أدركتهم الأبصار ...فكان البعد يطوي ناره حين يصير اللقاء على مشارف الوعد..
أما أنا فما ألمح من ذاك  سوى خيال تجمع من فوران أضواء  يموج بها الكذب ولا تستقر فيها  الحقيقة  ،قبضت عليه فأسكنته مساكن الروح ، وألبست عليه حلل الوجود ،ومارست فيه حق الوسيلة والغاية ،حتى صار الكون فيه لا معه ،والقلب   به لا له ،والعقل مغلوب بالهوى والفؤاد موسوم بالمذلة ...
  •      فمن أي شيء تنبهت ؟وعلى أي عَود تعوّلين ؟
  • حين أشرفت على الفناء فيه ،و استعرت الرياء أمري المستقر عنه ،وظل الليل يستدير بالاشتياق إليه لا باللقاء معه .وصرت لا  أرسل طرفي إلا ليتشكل رسمه ، ولا أنطق بلغتي إلا لألفيها كليلة من تذكره ، عدت كمن باء بلعنة  الياسمين يستبيح قطفها ولا يستحيي ريحها، وكمن تستعيذ منه الأرضون يستحل إثمها ولا يستحرم مغرمها ... فما لبثت غير قليل حتى استعجمت في أملي أمنيات القرب ، واستوحشت في عزمي نوارات الأنس ، وحالت بالحل والترحال  بيني وبين الفردوس زغاريد ابتسامته ،وانشطار الحسن في نظرته ...
  •      ثم ماذا ؟
  •     أدركت أن القدر دار دورته ، وأن الوزر ناء بثقله ، وأن الأيام تكتم نواح الفراق ،فما أرفع يدا من دعاء إلا وأجدني أهرف شركا به ،ولا أستقبل صلاة إلا وله منها مالا مطمح للشيطان فيه ،وكأن السماء قد ألقت عنها معراج روحي ، والأرض قد اخشوشن على حزنها فساد عملي ،وغضت عين العناية عن استغاثتي فتبلد الخشوع في محياي...إذ ذاك انكشف لي  سره عن ألف ستر وغشاوة :فرأيته و قد تجمد الزهو في وجهه ، واستبانت بين أهدابه حبائل الخطيئة ،واختمرت شفتاه عن ريح الغواني ..فما عاد في ناظري إله الجمال ، ولا سليل الصدِّيق ، ولا سيّد القمر ...بل كان كما كان على الأبد ؛ معصية أرهقت بين قسماتها طهارة الروح ،واستجهلت  بها بصيرة الإيمان ،وألقيت بالعقل يذكي تسولاتها ، وللتمني يجدل أحجياتها ،و كذلك هي الغفلة  حين تهبط بالمراقبة فتعود كالسيف يقتل وهو مقتول ..
  •  هل نسيته ؟
  •    بل لعلي أُنسيته! كان الأمر أيسر من كل مشقة زينها حضوره الدائم في مخيلتي ،وكان إلى ذلك  أشق من أن أصرف الأوهام عن إرادتي ،لم يكن حقيقة كي أمنّي بها الروح ، ولا بصيرة أستشف بها مصيرا دائما يجمعنا ،كان وهما .. نعم هذا هو سر الأحجية كلها : كان وهما ! .
وهمًا أبصرت فيه عمرا استأنف الرحيل ،وزمنا ما عاد له أن يجدد ذاته ،و نشوة شوق لم تبردها تجاعيد التأميل في لقائه يوما  .
بكل إدراكي الآن أقول أني لم أشاهده إلا من خلال ذاتي ، وهذه الخطيئة التي لا تغتفر ؛حين نرى العالم بأهوائنا ، ونستل المعرفة التي نريد بالشكل الذي نريد ، ونمنع النور أن يشق الظلام لأن هوانا صار إلهنا المعبود ، و نجلّ  المطامع العالجلة  على  العواقب الآجلة ...
حين ندخل تلك العماية ،يسلم لنا القدر أنصبتنا من الآثام موفورة قدر فوراننا في الكذب ،و لا يعود شيئا منا كما كان لأننا جعلنا لكل معنى سام ثمنا تقدره رغبة يدفعها ظنّ! وكما أن الظنون أنداد المعاصي ، فإن الرغائب أعداء البصائر .

  •     واليوم ... الآن ؟
  •   اليوم والآن يا نفس هما ملكنا وحدنا ، أنا وأنت ، وكما تقلدنا الخطأ سوية ، فإن الصواب يلزمنا سوية ،لعلي لم أكن صادقة معك كما حالي الآن ،ولعلي ما عزمت يوما على صدق صحبتك كما أعزم عليها اليوم ، أهرقتك معي زمنا ليس باليسير ،كنت فيها أسيرة الصمت ، وجريحة الغرور ، ولكنك ظللت عظيمة الكبرياء ...الآن واليوم أرجوك أن تعودي لباكر ميلادك وقديم صحبتك وتستجمعي من الأمل ما يضمد هفوات الخلة ، ويزجي تسابيح الصفاء ،فكلانا منا وإلينا عدنا ..ولا  يعدل الهجر إلا العود ، ولا يشفي الطريد إلا احتضان الوطن القريب .
-----------------------
*القصة : مختصرة من مثنوي جلال الدين الرومي 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق