تعقل الكتابة
لعل علامة الكاتب من نفسه، وهذا نادرا ما يتم ذكره في الأدبيات التي تتحدث عن مهارة الكتابة أو هبة الكاتب، أن الكاتب الحقيقي هو الذي يشعر أن عقله "يلتاث" أي تصيبه "لوثة" أشبه بالانحراف أو الجنون حين لا يكتب! ذلك أن خروج الزحر المكظوم من صدره كما عقله يعيد له التنفس عبر وجود خاص به، وكأنه قد خُلق به وله. إن كل إنسان يعلم هبته التي يستوي به على أحسن تقويم، وحسن التقويم هنا هو التوازن الذهبي بين داخل ذاته وخارج الحياة من حوله. من المؤكد لدى كل إنسان وسيلة ليدفع بها جنون الرفض وتناوش المدهشات حين تلتبس عليه المسالك، ولكن قلة من يبحثون عن هذه الوسيلة أو يستخدمونها، ولعل هذا الضغط غير الوهمي في وعي الكاتب هو ما يدفعه إلى أن يكتب لتفريغه أولا، ثم ما يلبث أن يصبح كاتبا بمهارة قصدية.
لا مجال للكذب في الكتابة، فصورة عالمك الخفي تنطبع في كلماتك، إنها مذاقك بين البشر وسمتك في مذكرات التاريخ، وكل يوم نكشف عن مؤلفين لم تخنهم كلماتهم، بل جعلتهم يركزون في تطور الإنسانية العقلي، لأن البشر أحوج ما يكونون إلى هذا الذي يُسكِن التناوش في داخلهم.
يكفي أن يكتب الكاتب، حتى بدون توجيه فكري محدد، كي يحفظ لنفسه وللإنسانية سلاما لا يأتي إلا عبر الكلمات.

تعليقات
إرسال تعليق