مَنْ لِنسَب التوحيد
مع كل تراجع في طفولية العقل تظهر مشاهد
من "التشبث" بأشكال من الهوية، يعرف العقل أكثر ما يعرف، أن مجرد الانتساب
لها هو عبث محض، ومع هذا؛ يتمسّك بها لأنه يرى نفسه على شفا جرف هار ضائعا عن
مقومات وجوده السَّوية.
فالعقل قد يضحك على نفسه، ومن نفسه،
ما دامت تناوشه مضلالات الخوف والفتن والهوى، إنه يدخل إذ ذاك في عماية عن الحق
الذي من المفترض أنه ديدنه للبحث، ويصير أسير ما هبّ ودبّ من رايات راجعة عن
الماضي، الماضي الأعمق في الغواية.
الأصوات العربية التي تعتز بانتسابها
إلى حضارات بائدة: كالبابلية والسومرية، والآرامية، والفينينقية، والسبئية، والفرعونية؛
وقس على ذلك ما شئت من أقوام سكنت أرضنا العربية والإسلامية ردحا من الدهر بأمر
الله، ثم بادت بأمر الله كذلك- هذه الأصوات تعلو في كل دورة ينغلق فيها على العقل
العربي رشده الذي أخرجه من الظلمات إلى النور، وبعد أن كان يعبد صنما يجعله مسخرا
لقوى الكون الغامضة، صار يعبد إلاها ملّكه أن يتسيد خيرات الكون بكرامة.
وفي زمن الرسول صلى الله عليه وسلم
حدثت قصة في غزوة بني المصطلق، حيث لكز رجل من المهاجرين، لعبا، رجلا من الأنصار
فأذاه، فنادى الأنصاري: يا للأنصار، ونادى المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي
صلى الله عليه وسلم فقال: (ما بال دعوى أهل
الجاهلية؟)، أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟(المصدر:
صحيح البخاري، التخريج : أخرجه البخاري (3518) واللفظ له،
ومسلم (2584))- موقع الدرر السنيّة
قال العلماء في شرح الحديث: كل ما
خرج عن دعوى الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة، فهو من عزاء
الجاهلية.
وهذا الحديث حري أن نتأنى بالنظر
فيه. فالعصبية داء وبيل لم يستأثر به العرب وحدهم قبل الإسلام، إنما هو انحراف
عقدي يشوب الكيان الإنساني فيفقده الحكمة في الرأي والسلوك. وفي هذا الحديث دليل
على أن كل عصبية مآلها إلى التناحر والصراع حدّ الحرب – لو وصلت أشدها!
وهذه المناداة اليوم بالاعتزاز لأن
ينتسب أهل كل أرض إلى مخلفات ما في أرضهم من حضارات غابرة، إنما هي خطة عقيم نحو
بث الفرقة في الصف العربي الذي ما جمعه إلا الإسلام، فالإسلام لم يعط العالم –
ومنهم العرب- المعتقد الصحيح وحسب، بل منحهم على اختلاف بقعتهم، وحدة اليوم
والمصير. والعودة إلى الانتساب لتلك الأمم الماضوية، إنما عودة إلى الجاهلية ما
قبل الإسلام- في أشد صورها نفورا وطغيانا.
ثم كيف لو كان هؤلاء القوم الغابرون
هم ممن غضب الله عليهم وأنزل عليهم نقمته وجعل آثارهم عبرة وعظمة لكل من حادّ وحارب
دين الله، بأن الله سيجعله عبرة في العذاب والنسيان! أترانا نحارب إرادة الله في
أن أذلّ تلك الأقوام، فنأتي اليوم ونرفع من شأنهم ونعتز بهم ونقيم الاحتفالات على
ذكراهم! ما أشبه هذه الاحتفالات بالطقوس الشعائرية التي كان يقيمها أهل الجاهلية –
في كل أرض- تحت أصنامهم ومعابدهم وأهرامهم.
ومن العجيب، أننا نصر على أن تلك
الأقوام التي أبيدت بغضب من الله عليهم، أن نماري نحن اليوم بأنهم قد تركوا علما
وفنا وصناعة يكسوها العجب والمعجزة! وعلى الرغم من أنه لا حكم يحرّم الانتفاع بشيء
كانت تصنعه الأمم شريطة أن يثبت نفعه بالعلوم المختصة، إلا أنه لا دلائل علمية ولا تجارب واقعية على أن استخدام
ما خلفت تلك الأقوام من معارف قد عاد على الإنسانية بشيء من النفع اليوم! نعم، قد
يكون لذلك قيمة تاريخية في إثبات الأرض والشعب الذي عاش وكان، ولكنها من وجه آخر، تصديق
لما حكى القرآن الكريم عن هلاك تلك الأقوام التي لم ينسل منها أحد؟! وهذه نقطة
بالغة الأهمية يجهلها من يسوق لهذه الدعاوى: وهي أن الله لم ينزل عقاب استئصال على
قوم ثم يدع لهم ذرية! بمعنى، أن الشعوب العربية اليوم لا تنتسب بالدم إلى تلك
الأقوام، حتى لو عاشوا في نفس الأرض. وهذا يبطل أي دعاوى بالانتساب إلى تلك
الحضارات حسًّا ومعنى.
وفي المقابل، نرى أرضا مثل المملكة
العربية السعودية، تعتز بالانساب إلى التوحيد، وتجعل شعارها: أرض التوحيد: ثلاثة
مائة عام من التوحيد، كيف لهذا أن يتساوى مع من ينتسبون إلى أقوام غضب الله عليهم
فأهلكهم وشتتهم كل شتات!
الانتساب إلى الإسلام هو النسب
الباقي إلى يوم القيامة، ولابد لهذا الانتساب أن يكون له واقعه من الاعتزاز به
وتقديمه على أي دعاوى جاهلية حاضرة أو بائدة.
ولعل إحياء الانتساب إلى دعاوى
الجاهلية، إنما مرده إلى الإفلاس الحضاري الذي يعشه المجتمع العربي. فحيث لا علوم
ولا صناعة ولا بناء حضاري، يصير العربي يلوذ بالماضي ليحلم بأنه قد كان يوما، مادام
عاجزا أن يصير اليوم! لكن الأمر، أبلغ من مجرد انتساب صوري، فهو داخل في حكم شرعي
بيِّن يخشى على عقيدة المسلم أن يشوبها خلل حين تنتسب إلى غير دين الله.

تعليقات
إرسال تعليق