المشاركات

التاريخ الشخصي لأرضٍ ما (1)/ الأصالة(أ)

صورة
  هذه سلسلة وليدة من الكتابات التي أبتغي منها قراءة الحياة كما حُمِّلتُها من الأرض التي عشت عليها. ولست هنا بصدد الكتابة عن تاريخ هذه الأرض وجغرافيتها، ولعل الأرض هنا هي رمزية لما قام فوقها من سيرة وحكاية، ذلك أننا في بشريتنا تختزل الأرض استطراد وجودنا لنخرج أشبه إما بالمدمجين بها أو النافرين عنها، إلا أنها حاضرة حتى لو أننا تنكرنا لها وهاجرنا منها.  ولعل الالتصاق بالأرض/ الحياة الذاتية، هو رغبة في العثور على "الأصالة"التي أتخلى عبرها عن الملاومة ذات الاتجاهين بين ذاتي وقدري، أو الوجهين المتقابلين بفكرة واحدة: وهي أنا، فيكون أحدهما ذاتي، والثاني كل آخر غيري. للحق، لم أكن يوما ذات هوس بعراك مع الخارج، ولم أر أن غايتي كانت التطلع المفرط للبعيد، صحيح أني عانيت من تكرار عقدة "إثبات الذات"نوعا من الانعكاس عن اتجاه التغييب الذي مشى معي مشوارا غير قصير من بكارة سعيي، ولكن حتى هذا لم يخرج ولا بصورة قريبة من صراع، أي صراع، على أي مستوى! لربما لإيمان طفولي متعقل بأن الله خلق الحياة تسعنا جميعا، وأن الاقتتال على وقت الحياة ومدخراتها هو نوع من الكفر بالله وحكمته. ولعل هذا يقرر-...

أرض التوحيد

صورة
  عندما تنظر إلى هذه الراية تعلم أن حق الكلمة التي خُطَّت عليها  يتجاوز الزمن إلى أول ما أراد الله من خلقه يوم خلق السماوات والأرض: إنه التوحيد، الذي لأجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، وكانت الجنة والنار، وهو الفصل بين حزب الله وحزب الشيطان، وهو بلاغ الله إلى خلقه، وحجته على عباده، وبه كان قبول الأعمال أو ردِّها. والتوحيد نعمة في ذاته لا نطيق إحصاء حسناتها، فالتوحيد احترام للعقل البشري ، وسلامة للعالم الداخلي للإنسان، كما أنه صيانة لجناب الجماعة كاملة، وكيف لا يكون للتوحيد كل هذه البركة لو طالعنا كيف أن نقائض هذا التوحيد تضرب أمما فتحيق بها مهاوي الخرافة والشعوذة والرذيلة والظلم، حتى إن ضمور التوحيد في قلب الإنسان لا يخرجه من ملة الإسلام وحسب، بل إنه يحول به إلى أن يصبر "دابة" لا اعتبار لها لا في  دين ولا دنيا، فتصبح الجرائم عنده عادة، والخذلان حال متصلة، وكل هذا لانقطاع ما بينه وبين النجاة: ألا وهو التوحيد.  إن أكرم الذكريات التي أحفل بها في يوم البلاد الوطني، المملكة العربية السعودية؛ أننا درجنا على تربية قوية لصحة المعتقد في قلوبنا منذ كنا صغارا. ذلك أن خلو المجتم...

الذكريات أكبر مما نحن فيه

صورة
موقف الذكرى أكبر من ذلك الذي فعلنا أو فُعِل علينا أو بنا! في الماضي، في تلك اللحظة التي قدّر الله أن تسوس حياتنا التالية بعدها، كانت التضاريس المحيطة أوسع من زاوية التركيز على قتامة الحدث أو حتى مسرته.  لو أننا عدنا لفتح الضوء على ظروف الذكرى، ماذا ترانا قد نرى؟ لافتة إعلانية بلون أصفر، امرأة ترتدي عباءتها بطريقة لم تعد معتادة اليوم، أطفالا يبكون عند دخولهم بوابة المدرسة صباحا، طوابير من الطلاب في المرحلة الإعدادية والثانوية أمام كافتيريا تبيع شطائر الجبن والبيض فقط! وهناك الحرارة ذات الرائحة الكيروسينة في محطة البنزين، والسماء تشبه الفتاة التي فاقت فزعة من نومها لأن موعد الحصة الأولى قد دخل. ولعل ثمة أمٍّ تصيح هنا وهناك سخطا على شقاوة أطفالها تشكل بصياحها وصراخهم خلفية موسيقية للمشهد الذي نحن على مقربة منه أكثر منها. والعديد المتنوع من موقف القدر لأكثر من شخص كان على حواف موقف الذكرى الخاصة بنا جدا- كما كنا نظن-! أين ذهب كل أولئك، لماذا قتلنا التشكيلة القدرية المكتملة واجتزأنا ما يخصنا فقط من مسير الحياة المتشابك بنا وبهم وبآخرين لا نحصيهم عددا!  ربما أنه في ذلك الركام المتها...

قصة الشيطان

صورة
  ما كان ليهيء لنا يوما أن تصبح قضايا الجن والشياطين ضمن أطروحاتنا الفكرية التي نناقش كما ننقاش أمور الاجتماع والاقتصاد والأدب  عامة!؟ ذلك أن هذه الأطروحات هي من جملة  مباحث قضية الغيب الكبرى، وما دمنا قد سلمنا بأن الله هو الغيب، وأن ما غيّب الله عنا من عوالم وأقدار، فلا مجال لنا للكشف فيها فضلا عن التسلط عليها؛ فإن هذا الاعتقاد بالتسليم التام لله فيما غاب عنا على مرادِ مطلوبِ الله منا من الإيمان بالغيب، هو الموقف الوحيد الواجب علينا اتخاذه لِنَسْلَمَ أولى وآخرة من تبعاتٍ لا حول لنا فيها ولا قوة عليها.  ولكن، ومن منحى آخر، قد نقول بأن الغفلة عن الشيطان وكيده هي من مكائد الشيطان أيضا؟! فكون الإنسان يعتقد بأنه في مأمن من تسلط الشيطان عليه، هذا بحد ذاته مخالف للمعتقد السليم جملة، وهو الوارد في قوله تعالى " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين"، وكما جاء في السنة الشريفة من أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، عدا عن الأمر بتعهد التحصين الشرعي صباح مساء وعند تغير الأحوال حماية للإنسان من تسلط الشيطان وأعوانه عليه.  من هنا ننتهي إلى أن المنجاة من الشي...

الكاتب والمكتوب

صورة
  اليوم لدينا مشكلة حرجة في مطلبنا الثقافي والمعرفي - على قاعدة توسيع المعرفة عبر القراءة- ومثار هذه المشكلة: أننا لم نعد نجد شيئا جديرا بالقراءة بحيث يبني لنا وجهة نظر ورأي وانطياع ما عن حياتنا؟! ذلك أن  نواة الثقافة، ليست الثقافة في تراكم العدد المقروء من مصادر القراءة، ولكنها فيما طبعت هذه الثقافة على ذائقتك الأدبية والرؤيوية بما تجدك به تثرى وتنضج.  هل أننا قرأنا كل شيء كان يستحق القراءة، واليوم لا شيء يستحق القراءة حقا؟! لن أعيش نوستالجيا الماضي، عندما كنا نسابق العمر لكي نقرأ من هنا وهناك، مع قوة زحمة حياتنا ما بين الدراسة وملاحقة أسباب العيش -أحيانا - مع ما نحمله من الانتقال بين المراحل العمرية من أعباء. ومع هذا، كنا في جنون أن نعثر على مادة نقرأها ونناقشها في عقولنا، وتذوب نفوسنا فيها عشقا مع آخر سطورها.  ولن أقرر هنا بأن الأجيال الجديدة من الكتّاب والمنشور من الكتب هو من الركاكة بأن أصبح النشر جانيا أكثر منه ضحية، ذلك أن المشكلة بدأت مبكرا حتى في عصر أوج القراءة، لنقل عصر نجيب محفوظ وأنيس منصور وغيرهم من الكتّاب في تلك المرحلة التي شهدت شباب الكتابة حينها ال...

مذاقات كتابية- الكتابة وقتيًا

صورة
  في طور النمو، إذ نكبر واحتراف الكتابة هو منتهى حلمنا، تلاعب  الكتابة الحكمة في وعينا: فالكاتب هو الحكيم ولابد! بل إن الكاتب يتحلى بما يفتقر إليه الحكيم: وهي الشجاعة، فالحكيم آثر الجبل في حين أن الكاتب ارتمى على كل زاوية مأهولة بالناس ومآسيهم! وإذ من المفترض أن كلام الكاتب لا يمازجه سوء التقدير ولا قصر النظر؛ كيف وهو الكاتب الذي عمله أن يفيد الناس برؤى تساعدهم على إدراك حياتهم من منظور أكثر اتساعا و أعمق فهما.  لذا، كان الكاتب - بحسب هذا الظن- لا محيص وأن يكون قد بلغ من العمر مبلغ الكمال رَوِيَّةً، كما أن الصدق هو معامله الوحيد ليحول الصورة الناطقة للحياة حين تصمت فلا تزودنا بالإجابات، عدا عن مراكمة الخبرة المعرفية، وما اكتسبه من مراقبة تقاليب الأقدار بأهلها؛ وهو ما يكسبه رؤية بعيدة النظرلما هو حاضر وآنيٍّ ووقتيٍّ في لحظتنا المعاصرة.  الكاتب هو ذاك الذي ينسج من الظروف العاجلة نسجا تجريديا للحكمة المصطفاة من الأحداث، إنه يفسر لنا السير الضخم للكون والإنسان متمثلين في الحياة كأحدوثة أزلية ينعت أولُّها تفصيلاتِها، وبألوان الشقاء فيها نجدد الفرح يقينا بأن الثابت سيظل هو...

الحب بينهما

صورة
  الزواج سكن ومودة ورحمة... ولكنه حب أيضا! لا يملأ مكان الحب إلا الحب نفسه، وكل ما يقال عن عوامل دافعة لاستمرار العشرة كوجود الأولاد، أو متقضيات الواجب الاجتماعي، أو أواصر الرحم الممتدة؛ كل هذه لا تستطيع أن تهيئ النجاح لعلاقة طويلة الأمد كالزواج ما لم يأت الحب أولا.  يقال الكثير عن التعويض مكان فقد الحب في الزواج، فيما لو لم يتحقق، إلا أن التجارب الإنسانية هي الفيصل هنا، وقد تراكمت هذه التجارب لتكون شهودا على أن تحقق الحب بين الزوجين ينعكس في بناء الأبناء روحيا وفكريا. فلا تجد ابنا هو ثمرة حب إلا وترى السكينة والتوفيق والشجاعة في الحياة والرغبة فيها؛ كلها ملامح شخصيته، حتى إن الغير يحب هذا الابن، من دون أن يعلم سبب هالة الحب التي تحيطه -أي هذا الابن- على مراحل حياته كلها. وعلى النقيض، تجد الألم والكآبة والحيرة تضرب مَنْ هو نتاج زواج منضبط ولكن من دون حب بين الوالدين، وإن لأكبر الألم الذي يحمله الابن على حياته المضطربة، أنه يعيش ذنب ضياع الحب بين والديه، وهو من آصار الروح التي لا تغالب.  وقد يكون صعبا أن نضطر شخصين إلى أن يحبا بعضهما، ولكنه أقل مستحيلا، من أن يعيشا حياتهما...