هوس المعتقد
عندما نرى مقاطع مرئية للرئيس الأمريكي ترامب، تحيط به عصبة من الدينيين المتشددين وهم يصلون له أو عليه، ويخيلون إليه أنه المختار لإنقاذ البلاد! نستنتج أننا نشهد ما يسمى : هوس المعتقد.
الفكرة هي ستار ما يعتقد الإنسان في قلبه، هذا المبدأ الأول، وبصرف النظر عن ماهية هذا المعتقد فإن العقل يستقي جذور تصوره مما يكنه القلب، أي من المعتقد، ثم يمارس وظيفته في التخيل والنسخ والزيادة والتصحيف والوهم، حتى يصل إلى نسخة من المعطيات الفكرية التي تنعكس على واقع الحياة بما يلائم هذه الشذرات العقدية. فالعقل يرفض التناقض بين داخله وخارج واقعه، لذا يهرب عبر إملاء أطروحاته لتحييد الواقع خلفه.
إذا، نحن لسنا بصدد سؤال: هل يتأثر العقل بما يضمره القلب أم لا؟ فهذا بدا من المفروغ منه اليوم، ولكننا إذ ذاك ندرس هذا المعتقد لنستشف من خلال حقيقته وباطله ما ستئول إليه حالة العقل، ثم حياة صاحب العقل والمعتقد معا.
ومن جميل سنن الله فيما خلق، أن المعتقد السليم يحفظ خيوط رجعة من الإفراط والتفريط في وعي أصحابه، لأنهم يظلون يعودون إليه ليحتكموا إلى الصواب في فهمهم لمعتقدهم، أو مدى ما حادوا عنه أقصى اليمين أو اليسار. وما أعطى المعتقد هذا الحاكمية سوى اطمئنان القلب له ابتداء، والعقل تاليا، بأن هذه العقيدة صواب كلها، وخير كلها، ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، لأنها تنزيل من حكيم خبير.
لذا يكثر ما يزودنا التاريخ بداء عضال قضى بالحرب بين الطوائف الدينية وأباد شعوبا لمجرد اختلاف المعتقد بين الجاني والضحية مثل: هوس المعتقد. فالمعتقدات التي تحيد عن الحق يتلبس أصحابها هوس يجعلهم يُملون أفكارهم على معتقداتهم نفسها، فيفسرونها وفق الأهواء، ويقيسون قياسات فاسدة راجعين إلى الأطر الضيقة التي يدور فيها الرأي بين العقل والقلب، إذ كلما قل نصيب المعتقد من قدرته على توفير الإجابات والمرجعيات للعقل، اشتط هذا العقل في بناء أنظمة كاملة من حالات شاذة فكريا ولكنه يضطر أن يرسيها تكميلا للمعتقد الفاسد القاصر في القلب.
ولا تسل حينها عن رصد أفقي لهذه الشطحات: فهذا المسيح المنتظر، وذاك المهدي المنتظر، وهذه حرب نهاية العالم، وتلك نبوءة الدمار الأخير..إلخ، وكأنك أمام عمل سينمائي من إخراج مخرجي العجائب السحرية! وسيتعب كثيرا صاحب المعتقد السليم فيما لو تناول بجهده تفنيد هذه الشطحات، فالأمثل - كما رصدنا من أوراق التاريخ- أنها تنتفش ثم تموت من نفسها، لأنها تقتل ذاتها بذاتها حين تنقلب على أهلها! وكفى الله المؤمنين القتال.
لكن يظل الدرس الذي نتأمله يدور على محورين:
الأول: حمد الله على أن كفل للإنسانية مصدرية المعتقد في التنزيل المحفوظ: القرآن الكريم والسنّة النبوية، فهذه رحمة عامة ليستمر هذا التنزيل منارا أمام كل قلب مقبل على تشربه، وعقل يتقد في صوابه، بعيدا عن تأويل الشطط أو التقصير.
الثاني: ضرورة تعاهد العقيدة والحرص على نخلها تصفية من شوائب الأفكار التي تمطرنا عبر وسائل التأثير المختلفة، مما قد يكون ظاهره دنيوي، ولكنه عند التمحيص يظهر أساسه المعتقدي الذي لا مفر من النظر إليه بحسب ما ثبت من وحي الله في القرآن الكريم والسنّة النبوية.
تعسًا لهذا الهوس الاعتقادي الذي يشلّ أركان التعقل في عالمنا اليوم، ومأساةً لهذه الإنسانية التي تصرُّ على أن تجد أمرها بعيدا عن ربّها ووحيه، وسنظل نعايش حروبا دينية كتلك التي خاضها الغرب فيما بينهم فيما عرف بعصور الظلام الوسطى، لأنه يبدو أن الذاكرة المتأججة بهوس المعقتد لم تبرد نيرانها بعد.
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق