المسافر القاصد
من نعمة الله على العبد أن يرزقه البصيرة والقول الأحسن. فالحياة مهما اتسعت ورغدت تظل بالنسبة للإنسان مؤطرة بقيمة ما فيها من الفكرة الرائقة والكلمة البيان، وهما معا يشكلان : الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا.
وكل من بلغ النضج في عقله وتجربته المعاشة يدرك جيدا هذه النتيجة التي ينتهي إليها: الكلمة/ الحكمة هي حصيلة الوجود الإنساني ومشقة العمر بطوله كما هي ثمرة المكابدة الدنيوية.
فمن يرد الله به خيرا يبصِّره في أمر دينه ودنياه، ويهيئ له من هذه البصيرة قدرة تحويلها إلى كلمات يعلِّمها للكادحين بعده لأنه -ومهما ضاقت علينا أمورنا، أو اتسعت علينا منافذ الامتحان- فإن كلنا يتأقلم مع خلقته كبشر مفكِّر، يتعقل بالكلمة/ الحكمة.
ولهؤلاء الذين استوى إدراكهم نقول: لا تصمتوا! تكلموا، اكتبوا، انشروا ما وسعتكم وسائل النشر اليوم، لأن من اجتمع له أن يذوق التجربة، ثم أن تنتهي به هذه التجربة إلى ما أراده الله عزوجل من الإنسان حين جعله في أحسن تقويم؛ أي بأن خصه الخالق بالحكمة دون سائر مخلوقاته، هذه الخصيصة تبرز فيما نكتب ونتكلم كلغة خطاب وقصة وجود معا.
قد يسبق الكاتبُ زمانه وقارئه، لابأس، فقلة الورود على المَورِد لن يجعله جافا، إنما يحفظ ماءه عزيزا لمسافر قاصد قد بلغ به الجهد أن ترويه الكلمة/ الحكمة ليكمل بها سفره. وهذا المسافر هو مَن يقصد الحكيمُ حين يتحدث.
اكتبوا، فإن الكلمة/ الحكمة صدقة جارية كالماء لا ينقطع سبيله.

تعليقات
إرسال تعليق