المشاركات

صفات المصطفين الأخيار

 رمضانيات (1) إن الله يصنع رسله المختارين على عينه، كما قال تعالى لموسى عليه السلام ( ولتصنع على عيني ) ، وقال ليوسف عليه السلام ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ) ،وقال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عن نفسه " أدبني ربي فأحسن تأديبي " ... فماهي أبجديات هذه التربية الربانية ، وماهي صفات عباد الله المصطفين الذي اختار الله لهم هذه الصفات وصنعهم بمحبته ورضاه على خير ما تكون الصنعة التي تعقبها القدوة للعالمين .نستشف ذلك مما قاله تعالى عن تربية يحيى عليه السلام في سورة مريم . (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وأتيناه الحكم صبيا ، وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا ، وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا )  ( خذ الكتاب بقوة ) العزيمة التي لا تلين ،والقدرة على حمل العبء والنهوض بالأمانة ، فلا يضعف ولا يتعاون ولا يتراجع عن تكاليف الوراثة النبوية  (واتيناه الحكم صبيا ) والحكم هو الحكمة وهي وضع الشيء في مكانه السليم ،وإنزال الأحكام على مواقعها الجديرة بها وهذا يتطلب وضوح في الرؤية ونور في البصيرة ،ومن طبيعة هذه الحكمة عند البشر الآخرين أن تأتي متأخرة لأنها خلاصة عصارة الت...

ما الذي يجعل كتاباتنا عظيمة وخالدة

صورة
من الروايات العالمية الخالدة        إن مما ينقل أدبا ما من المحلية إلى العالمية؛ هو ما يحويه العمل الأدبي من هموم إنسانية مشتركة ، كما أن الخلود يُكتب للأدب كذلك، بما يحويه من هذه المشتركات الإنسانية التي أهي أقرب إلى الفطرة  الركيزة في النوع  الإنساني، كالأمل واليأس ،والفشل والنجاح ،و الظلم والتحرر ،والرجل والمرأة ،والحرب والسلم ..وغيرها كلها مطالب إنسانية قديمة بقدم الوجود الإنساني، ومستمرة حتى آخر كائن بشري تلامس قدماه هذه الأرض . والعمل الأدبي ليس مواعظ ووصايا ،وهو كذلك ليس كتاب تاريخ للأحدث المجردة ،وهي كذلك ليس وصفة علاجية للمشكلات القائمة ،إن كل هذا يدخل في عمل الكاتب ولكنه يبرز من خلال تفاعلية فكر الكاتب وورحه .إننا في الأدب الخالد نقرأ مأزق الإنسان تجاه الأحداث الكونية من حوله ، نقرأ ردة فعله عليها ،أو تفاعله معها، أو اعتزاله إياها ، ولكن في كل الأحداث فإننا نقرأ ونبحث عن دور للإنسان ،لذلك كان الدرس الأول في الأدب الخالد؛ أن يحوي موقف الكاتب من الحياة والكون والإنسان ، ونقصد بالموقف هنا ليس محض الرأي الذي يأتي سطحيا نظريا ،ولكن أ...

التضحية :شعار الإنسانية الصامت

صورة
لكي يتحقق الخير لابد من التضحية ، فالتضحية هي معراج الطين الهابط في الإنسان ،وما أنجز البشر في وجودهم شيئا أعظم من أن يقدموا نماذج للتضحية تذكر دوما بأن في الإنسان قدرة عالية على الكمال ،، فالتضحية هي سعي  إلى الكمال . ما منا من مولود إلا وقد استهلك من جهد والديه الكثير ،وكانت مطامعه تتقدم رغباتهما ،وآلامه ترجح بصبرهما ،وlمن دون كل تلك  الفصول الطويلة من العطاء دون انتظار مقابل؛دونها لما كان لأي منا أن ينشأ في أحضان أسرة ،وتنمو الأسرة في مجتمع ،وينضبط المجتمع في كيان حضاري تتشرف به الإنسانية ، وكلنا يرى عندما طغت أنانية الشهوة على حب الفداء كيف تدهورت أعظم مجتمعات العالم المتقدم وتفسخت فيها الروابط الإنسانية وأصبح الإنسان نفسه محدود بين غاية عاجلة أو سلعة رائجة . التضحية كلمة عانت الكثير من مفاهيمنا المتناقضة ،ولعلها أكثر المصطلحات التي تحملت نفاقنا الاجتماعي إلا قليلا ممن صدقوا وأفلحوا .ولو عدنا إلى الاشتقاق اللغوي لكلمة التضحية ثم استدلالها الاصطلاحي لوجدنا معان أخرى تشكل في مجملها فعل التضحية على الوجه الذي ينتظر منه الخير وليس العبث . فالمادة اللغوية تعود إلى الو...

المعذبون في الأرض

صورة
ورد هذا المصطلح عند عند فرانز فانون مؤرخ حركات التحرير المناهضة للاستعمار ،ثم استخدمه طه حسين في عنوان كتابه الذي يتحدث فيه عن الطبقات الفقيرة والمسحوقة في مصر القرن الماضي . وبما أن موضوعنا على تماس مع تطلعات فرانز فانون من جهة وقصص طه حسين من وجهة أخرى ، فإننا سنُبقي على العبارة  كما هي ،خاصة وأن فرانز فانون  هو نموذج السطور اليوم ،وكل يوم سيجدد فيه البطش والجبروت ملامحه في عالمنا المعاش . كان فرانز فانون والذي أصبح فيما بعد إبراهيم فانون فرنسيا من أصول أفريقية سوداء ،استقر والده في فرنسا بطريقة ما .اشترك فرانز في بواكير حياته في الجيش الديغولي الفرنسي ،الذي ابتدأ فيه إحساسه بمرارة التمييز العنصري بين طبقات المجتمع الفرنسي المنحدر من أصول متعددة ،ثم زاد شعوره بالرفض لكل ادعاءات الديموقراطية  وحقوق الإنسان التي يروّجها ساسة الاستعمار عندما صار مديرا لمستشفى في الجزائر خلال الاستعمار الفرنسي للجزائر ،فكان شاهدا على أنواع الظلم والاضطهاد التي يتعرض لها سكان الأرض الأصليين ،وفي سابقة فريدة قدم  استقالته إلى البعثة الفرنسية وكأنه يقدمها إلى كل مبادئ فرنسا الاست...

جين أوستن ..دائرة " المرأة الكاتبة "

صورة
الين واليانغ /Yen,Yan شاهدت فيلما أنتجته هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي ،عن الروائية البريطانية جين أوستن صاحبة أشهر   كتابات الأدب البريطاني بعد شكسبير ، والفيلم يتناول جانبا أخيرا من حياة هذه الروائية وهو بعنوان : Miss Austen Regrets حسرة الآنسة أوستن كان الفيلم ينصب على الجانب الذي يشكل المفتاح في حياة المرأة كأنثى قبل أن تكون كاتبة   ،جانب الزواج والقبول به عن غير قناعة هروبا من هرم الأيام الذي يلوح في الأفق ، ورغم أن جين أوستن كما تخبر عنها   الروايات التاريخية قد ماتت في عمر الحادية والأربعين دون زواج ، إلا أن قصتها تذكر بتناقض أرق سعيي الكتابي سنين طويلة ، كنت أرى ذلك بوضوح على أكثر من صعيد في فكرتنا حول المرأة "الكاتبة" ، وتنازع ذات " الأديبة " مع نفسها . فمن التناقض   الأول : يتجلى عدم مقدرتنا ( أي الطرف الآخر في التعايش مع المرأة الكاتبة ) ،على فصل الأنثى عن هوية المرأة الكاتبة ، فرغم ما قد تحققه الكاتبة والأديبة من نجاح إلا أن النظرة ذات البعد الواحد تسيطر بأبجدياتها عبر معايير الجمال الظاهري والمتعة ،ليظل هذان العاملان يحددان هوي...

حيث الأضواء

صورة
ما من كل " الحُسن" يتولد العشق !        "استيقظت ...قد انطفأت الأضواء "       الأضواء لم تنطفئ ،بل أنت من أطفأها      نعم أنا أطفأتها       لماذا أطفأتها ؟       لأني أردت أن أنسى تشكيلات وجهه        لماذا ؟        لأن العتمة لا تبيح له ملاذا  في ذاكرتي       لماذا ؟         لأنه ما يزال  في داخلي        لماذا ؟        لأن المدد قد انقطع ، والأنوار قد تلاشت       أي مدد الذي انقطع ؟ وأي أنوار تلك التي تلاشت         ........ ما من بداية خارج الأوان ، ولكنها لحظة ينقبض فيها كل شيء حتى الفلك يلملم شموسه وأقماره فرارا من حساب زمن يرفضه  "يحكى أن ملكا فيما مضى من الزمان ، كان قد جمع ملك الدنيا ...

الفارق بين الكون والإسمنت ؟

أشعر بخيبة أمل عظيمة كلما قرأت رواية تفنن كاتبها في وصف الطبيعة التي يعيش بين أحضانها ويستقي جزءا كبيرا من أفكاره وتصاويره منها، فأنا ساكنة بلاد النفط لا أعرف شيئا عن الجبال المنسابة بين البياض والخضرة كالحسناء ترفل في حلل الدمقس والسندس ، ولا أسمع خرير المياه في جداول يفجرها ذوبان الثلج من الققم والأشجار فتغدو أول انشودة الربيع القادم ،كما أني لا أشعر بنسمات الهواء تداعي وجهي المشحون بالأسئلة ، فكل الهواء عندي عمره شهر ونصف من العام أسعد به حين يشقى آخرون في بلدان الشمال بزمهرير البرد وارتفاع أسعار النفط ونقص وقود التدفئة ! حاولت حقا أن أجرب سماع أصوات تأتي من الكون البكر عوضا عن هدير المكيفات واهتزازات غسالات الملابس وأنين الهواتف النقالة ، اشتريت تحفة تخرج الماء من أكمامها فيوقظ  انهماره صباحاتي ومساءاتي المتعبة ، ولكنه في النهاية ذات النغمة وعلى ذات الوتيرة ، تماما كالوتيرة التي نحياها في الاسمنت الباهت ! إني على يقين أن الإسمنت هو اسوأ اختراع إنساني ،إنه يجفف الروح قبل أن يسحب كل موارد الأرض الطبيعية من الماء ،وما زيادة التصحر في بلداننا العربية إلا نتيجة هذا الافراط في است...