شهداء على زماننا: عن الأسلمة والباطنية المعاصرة

 


نحن شهداء على زماننا، وليس أن الزمن هو وحده العابر فينا. بل لعل "تدوين التاريخ" هو سلوك بشري لقهر سلوكيات الزمن كما هو مستقر في وعينا، حيث : السرعة، والعبور، والنسيان. هذا التدوين يضفي التوقف والمثول لإثبات وجهة نظر الإنسان في هذه الهبة التي تسمى: الوجود. ذلك أنه لا سبيل إلى إيقاف دوران الأيام بأهلها، ولكن الكتابة والتسجيل لكيفية تبلور الدوران ستشكل -بالتتابع- حلقات المشهد الكامل لمن عاش هنا والآن، كيف كان يعيش هنا والآن. 

ومادمت أنفعل بالأمر، أو يصلني بعض تأثيره، يصير من حقي أن أدون تاريخي معه، هذه التدوينات الضخمة ستكمل لوحة اللغز الذي سيحملها عنا الزمن. 

قبل عقدين من يومنا هذا ، طغى على الساحة المجتمعية ما أصبح يعرف لاحقا بالقنوات الفضائية الإسلامية. أرادت هذه القنوات أن تأتي ردة فعل رافض لاستشرار خطر القنوات الفضائية العلمانية أو التي لا هوية لها سوى فعل تشويه القيم والأفكار، وصولا إلى التشكيك فيما هو معلوم بالدين من الضرورة. ولاشك، أن قنوات الابتذال هذه استطاعت التواجد والاحتطاب على ما كان مخفيا ومحرما ومسكوتا فيه وعنه، فكانت أشبه بتثوير الصدمات النفسية والفكرية عند "مسلم" كانت حياته محدودة -مهما اتسعت- بما اختاره، ثم استقر عليه من شأن دينه ودنياه. ولن نهرب عن الاعتراف بأن تمويل هذه القنوات الهجينة كان يأتي من  أموال عربية ومسلمة أيضا، وهذا ما أفسح لها المجال للتكاثر غير المنهجي على فتات المجتمعات. 

ولأن حركة التفكير في زمننا المعاصر ما هي إلا دولاب في ساقية أكبر من القهر والهزيمة لأمة بأكملها، فإن "تفكير ردة الفعل" كان عصا الفعل في كل ما يصدر عنا على كل المستويات: سياسيا، اقتصاديا، فكريا، بل وفي حياتنا اليومية. فإذا كانت هناك منظمات تقود العمل الخيري بهدف التبشير، سنقوم بتأسيس منظمات تقود العمل الإغاثي للإغاثة والدعوة إلى الإسلام. وما إن تقوم المؤسسات المصرفية العالمية بطرح أنموذجها في الاقتصاد الرأسمالي، حتى تصدر أطروحات لتحويل الاقتصاد إسلاميا. وهكذا كانت الحال على مدى عقود، وهو أمر لزم حركة التحديث والاتصال بالعالم الذي سبقنا في ترسيخ قواعد الحياة اليومية. وقد يكون شيء من ذلك قد عمل خيرا في تسيير نظمنا المعيشية، ولكن حين يتجه ناحية حوار الضمائر، فإن أكثر ما يكون هداما هو : "فكر ردة الفعل"! 

وقد تمثّل الكثير منه في إعلام لم يكن يملك غير "الأسلمة" ليجد له طريقا إلى عقول وأفئدة المجتمعات العربية والمسلمة. وأستخدم هنا صيغة الافتعال : الأسلمة، التي توحي بالتصنع والتسلسل غير الطبيعي، لأن مرور العقود على الإعلام الإسلامي قد فضح بأن ما تم بثّه من خلال قنواته لم يكن من هوية الإسلام في شيء- على الأقل فيما ستناوله هنا-.

إن كان ثمة شيء يعول عليه في زكاء الوجدان المسلم: فهو صفاء العقيدة القائمة على التوحيد والاستسلام لله تعالى في صغير الأمر وكبيره. العقيدة السليمة كانت الركن الشديد الذي تأوي إليه جماعات الأمة لتظل على رشدها وعنفوان إيمانها. وكم يزودنا تاريخ الإسلام بأن ثبات العقيدة هو ما أبقى على وجود الأمة وحفظ لها هويتها حين تناطح أهل الأهواء والبدع في جحيم الأفكار والديانات الصدأة. 

هذه الحساسية ذات الدقة تجاه "التوحيد الخالص لله" لا يمكن تعطيل أثرها في وعي المسلم، وإن زنى وإن سرق. وهي إلى ذلك ضمان الرحمة من الله عزوجل للأمة بأجمع، وللفرد بخاصته، للنجاة في الدنيا والآخرة. 

عشرون عاماً على "طفرة الخلف": قراءة في جذور الوعي المشوه

مع مطلع الألفينات، انطلقت حركة متسارعة لما بات يعرف بالإعلام الإسلامي في المجتمعات العربية والمسلمة. وأصبح ما يطلق عليهم "دعاة" مصطلح يتسع بما يشبه "الهلهلة" حتى لم يعد نفس المصطلح يستوعب نفسه، ولربما يكون لهذا حديث آخر. غير أن موضوع هذه التدوينة، هو ذلك البث المنظم لأطروحات التنمية البشرية وتطوير الذات وصناعة الإبداع وعلوم الإدارة الحديثة، التي شكلت حيزا كبيرا جدا من ساعات البث لقنوات الإعلام الإسلامي، ما يعكس أن هذه القنوات قد تضخمت في حماسة عاطفية في حين لم يتم إعداد البرامج الوافية لها قبل انطلاقتها، وهذا بعض ما أطلقنا عليه "فكر ردة الفعل". 

هناك تعطش من الجمهور العريض، في مقابل فقر المادة الإعلامية لهذه القنوات، مع عدم تخصص العاملين فيها والقائمين عليها في مجال الدين، بله في مجال الإعلام بالمجمل، فصار كل ما يمكن أن يقدم بغطاء "الأسلمة" قابلا للترويج ومنح المساحات ذات الساعات على مدار الليل والنهار في هذه القنوات فتشكل طفرة إلى الخلف في مشوارنا الفكري المسلم. ولقد أدى العجز عن ملء الساعات الفضائية إلى "الاحتطاب" واقتباس أدبيات العصر الجديد (New Age) وتغليفها بدين الأمة,

ومن عميق الدهشة والأسف، أن ما يتم تجريمه عبر عقود تالية من علوم الطاقة والروحانية و مدارس التنمية البشرية والبرمجية اللغوية العصبية وتطوير الذات وحركات التأمل والتنفس ومؤتمرات الإبداع المفبركة، كلها عشوائيات انطلقت من مظلات قنوات الإعلام الإسلامي، وتحول رموزها لأئمة للناس يقودونهم على غير هدى من الله، وسواء حسنت النية أم فسدت في أدلجة المعتقدات الفاسدة التي دمجتها هذه الأطروحات في مفاهيم قضايا الإسلام، فإن الناتج اليوم أن تسويغ هذه المفتريات وشيوعها بما يشبه الحركة الباطنية المتأسلمة الحديثة، إنما تمت برعاية داخلية من رافد إسلامي. وكان هذا كافيا لتقريرما قد يرفضه الوجدان المسلم فيما لو عرضت هذه الأطروحات الشركية بصورتها الحقيقية كما نشأت في مهدها. 

واليوم، وبعد ما يزيد عن عشرين عاما، وهو بالمناسبة عمر قصير في مسيرة الحركات الفكرية، نرى الرموز الذين تحولوا من رموز دعوية وتنويرية إلى رؤوس حركات باطنية معاصرة، يُفتضح سعيهم واحدا تلو الآخر، وهو علامة على أنهم كانوا نسيجا طفيليا غير متوافق مع الإسلام كدين، ولا مع المجتمعات المسلمة كدول وجماعات. 

مؤكد أن الإغواء كان كبيرا بهم، والفتنة حين تأتي من رموز داخلية يصبح اقتلاعها أشد ضراوة، ولكنه يؤكد على أن الفكرة التي حوربت بها هذه القنوات منذ ابتدائها: بأنه لا يمكن الجمع بين الإسلام وغير الإسلام في خطاب واحد، وأن عباءة الإسلام مهما اتسعت فإنها لا خروق فيها، ومن يبقى خارجها سيظل خارجها مهما حاول التمسح بها- أن هذه الفكرة لو سُمعت حينها كان يمكن أن توفر على الأمة إهدارا في دينها وشعبها مما نشهده اليوم عبر الشعث الفكري، مما بات أبرز خصائص هذه المرحلة من عمر الدين وأهله. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فقه الحبّ 3 ( نصوص نثرية)

لأنك الرؤيا ( نصوص نثرية )

غضبة أنثى ( قصة قصيرة )